أحمد بن يحيى العمري
43
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
أهلها : أتعيب بلدة يضرب بها المثل في الجاهلية والإسلام ، قال : وبماذا تمدح ؟ قلت : بصحة هوائها ، وطيب مائها ، ونزهة ظاهرها ، تصلح للخف والظلف « 1 » ، سهل وجبل ، بادية وبستان ، بر وبحر ، محل الملوك ومرادهم ومسكنهم ومأواهم وقدمتها - أصلحك الله - مخفّا فأصبحت مثقلا ، ووردتها مقلا فأصارتك مكثرا ، قال : وكيف نعرف ما وصفتها به من الفضل ؟ قال : تصير إليها ، ثم ادع بما شئت من لذات العيش ، فوالله لا أجوز بك الحيرة فيه ، قال : فاصنع لي صنيعا ، واخرج من قولك ، قال : أفعل ، فصنع لهم طعاما فأطعمهم من خبزها وسمكها ، وما صيد من وحشها من ظباء « 2 » ، ونعام وأرنب وحبارى « 3 » ، وسقاهم ماءها في قلالها ، وخمرها في آنيتها ، وأجلسهم على رقمتها « 4 » ، ولم يستخدم لهم عبدا ولا حرا إلا من مولداتها ووصائف كأنهم اللؤلؤ ، لغتهم لغة أهلها ، ثم غناهم حنين وأصحابه في شعر عدي بن زيد شاعرهم ، وأعشى همدان ، لم يتجاوزهما ، وحياهم برياحينها ، ونقلهم « 5 » بفواكهها ، ثم قال : [ هل ] رأيتني استعنت على شيء مما « 6 » رأيت ، وأكلت وشربت ، وشممت وسمعت ، بغير ما في الحيرة ؟ قال : لا ، ولقد أحسنت في صفة بلدك ، وأحسنت نصرته ، والخروج مما ضمنته ، فبارك الله لكم في بلدكم .
--> ( 1 ) أي للإبل والغنم . ( 2 ) في الأصل : ( ضباء ) . ( 3 ) الحبارى : طائر طويل العنق رمادي اللون ، في منقاره بعض طول ، وهو يقع على الذكر والأنثى واحده وجمعه سواء ، وإن شئت قلت في الجمع حباريات . ( 4 ) الرّقم : خزّ موشّى ، وهو ضرب مخطط من الوشي ، وقيل من الخز . ( اللسان : رقم ) ( 5 ) نقلهم : أطعمهم النقل ، وهو ما يتنقل به على الشراب من فستق وتفاح وغيرهما . ( 6 ) في الأصل : فيما .